محمد داوود قيصري رومي
525
شرح فصوص الحكم
( والأعلى ما تخيل ، بل قال : وهذا مجلي إلهي ينبغي تعظيمه . فلا يقتصر ) . أي ، الأعلى من العابدين والأعرف منهم لم يتخيل ، كما تخيل الجهال العابدون بالتوهم ، بل يقول : هذا مجلي إلهي ومظهر من مظاهره ، يجب تعظيمه لوجوب تعظيم شعائر الله . فلا يقتصر أن يعظمه بنفسه ويعبده ، بل يأمر غيره أيضا بعبادته وتعظيمه . أو لا يقتصر الحق في معبوده الذي جعله مجلي إلهيا ، بل قال : إنه مجلي من مجاليه ومظهرا من مظاهره ، واجب تعظيمه وعزته . فيجعل هوية الحق متجلية في صور الموجودات المتكثرة . ( فالأدنى صاحب التخيل يقول : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) والأعلى العالم يقول : ( إنما إلهكم إله واحد فله أسلموا ) . حيث ظهر ) . أي ، غير العالم من العابدين يقول : ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) . ووسائط ، نعبدهم ليقربونا عنده تقريبا تاما . والأعلى العالم يقول : ( إنما إلهكم إله واحد ) . وله أسماء ومظاهر مختلفة ، فأسلموا له وانقادوه واعبدوه في جميع مظاهره الروحانية والجسمانية ، كما قال تعالى : ( فإلهكم إله واحد فله أسلموا ، وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) . ( ( وبشر المخبتين ) الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا : إلها ، ولم يقولوا : طبيعة ) . ( خبت ) من ( الخبو ) . وخبو النار ، خمودها وإطفاؤها . و ( الإخبات ) ، التواضع وكسر النفس . لما أورد الآية بقوله : ( والأعلى العالم يقول : ( إنما إلهكم إله واحد ) . ) تممها بقوله : و ( بشر المخبتين ) وفسر بأنهم هم الذين خبت نار طبيعتهم ، أي ، بشر الذين أخبتوا وأخمدوا نار طبيعتهم بالسلوك والمجاهدة ، فإذا خمدت نار طبيعتهم وخبت ، تجلت لهم الصفات الإلهية والأنوار الذاتية ، فعرفوا الحق وأنواره وآثاره الصادرة من أسمائه وصفاته في العالم بالحق ، فقالوا : إلها . أي ، سموه بالاسم الإلهي ، وما سموه باسم غيره من الطبيعة ، كما يقول المحجوب : إن الطبيعة فعلت كذا وكذا . والطبيعة وإن كانت مظهرا من المظاهر الكلية ، لكنها غير متخلصة عن رق العبودية وسمة الغيرية ، فالموحد لا يسند إليها